رحلت ... ولكن ...
دوت تلك الطلقة النارية كالصاعقة , كالوحش الضاري الذي انقض على صدرها ينهشه كتلة تلو أخرى , وانسلت روحها من بين يدي وارتفعت لبارئها , وسقط جسدها باردا يعانق التراب , وشلالات دماء تتدفق وتلامس قدماي , ما زال ذلك المشهد الدامي محفورا في ذاكرتي لم تمحه أظفار النسيان , كل يوم تعود بي الذاكرة إلى ذلك المكان , نفس الطلقة أسمعها تصم أذني...
كانت ليلة , بل قطعة أثرية من أنقاض النكبة , صراخ في كل مكان , القذائف تنزلق من كبد الطائرات , جنود الحقارة يجوبون المكان , الكل يبحث عن مأوى , ملجأ , أو حتى حائط مهدوم يقي من الشر القائم , وكانت هي وسط الزحام , تلتقط الجرحى وتضع بلسم يديها على آلامهم , ليسكن الألم وتهدأ النفس مما أصابها....
ناقشتها مرات عدة بشأن هجرتنا , علنا نجد بقعة أخرى تحتضنا وتنسينا شقاء الأيام , كان معنى الوطنية متأصلا في داخلها , لم يكن من السهل اقتلاعها من جذورها الفلسطينية , حاولت إقناعها بأنه لم يعد لنا مكانا وسط هذا الركام ... فقد كنت كالباقين لاعمل يحوطني , والمسكن على شفة الانهيار , لكنه شامخ كما البيوت الفلسطينية التي بقيت صامدة مع أهلها وسط كل هذا الدمار المحيط به... لكن كل محاولاتي باءت بالفشل , وكنت في كل مرة أجد نفس الرد , الذي جعلني أفكر بجدية ما الذي يدفعها لمثل هذا الإصرار على البقاء , فالأرض سلبت ولم يبق منها سوى انهار الدم وبقايا أشلاء امتزجت بالحصى والتراب , وبعض أشجار البرتقال والزيتون التي أبت أن تنحني أمام وطئة الاحتلال , وقد تناثرت بعض البيوت التي خلى منها أهلها إلا القليل هنا وهناك لتكتمل بذلك ملامح تلك اللوحة الدامية التي حفرها الاحتلال في قلوب الصغار قبل الكبار ....
وعندما حارت ثنايا عقلي وعجزت أنقاض فكري عن الوصول لأعماقها وكشف غموض تصرفاتها , عزمت على سؤالها , كان سؤالي متزامنا وأواخر تلك الليلة المشئومة التي سلبت مني حكاية العشق الهائمة على صفحة الزمن .....
أجابتني بنفس الثبات الممزوج بعزيمة فلسطينية قاهرة , إنه وطني وكيف يعوض , هل تتوقع من الغرباء التفضل عليك بمجيئهم لحماية ذرات الرمل البلورية التي تحملك الآن , إن لم تكن روحك جزءا من نسمات الليل التي تشدو برائحة البرتقال , وإن لم يكن في ضميرك صيحات الثكالى وأنين اليتامى , وإن لم تكن شجوات لسانك جزءا من صراخ الأرض وحبات الرمل الحنطية , فإنك لن تشعر أبدا بتلك الآهات التي تخنقني وذلك الألم الذي يغرس سكينه صدئة ويوغر حنايا قلبي .... وقد عاهدت مهدي أنني لن أتركه إلا وقد سطرت بروحي ملحمة عشقه وأسمعتها للعالم أجمع....
وكانت بداية النهاية عسكر الجند محتلين أجزاء المدينة , والتقطتها من بيارات بين البرتقال , وركضت , لكنها عاندتني وكررت كلماتها بنفس العزم والحدة , وفي لحظة ...... توقف فيها الزمن وغفت فيها شموع الأمل تغطيها دموعها, والتحفت عيناي بالسواد أو ربما هي الصدمة , خرجت متعطرا برائحة دمها المسكي , ومنديلها ما زال ملتفا حول أصابعي , وشعرات انكمشت في باطن يدي .....
رحلت لكنها رسمت ملامح ثورتها البطولية داخلي , وجعلتني أفكر ألف مرة قبل الرحيل .....
كتبها الكاتبة الصغيرة _ وفاء وائل في 04:27 مساءً ::
لله درك
أحزنتى القلب
شكرى لكِ
ودادى
.
رااائعة .. واشهد ...امام الكل على روعتها ...
اتخذت من قلبي مكانا ......اسكنت فيه الحزن والألم ..
دمتي كاتبة ... تجعلين الحروف تتعانق لتكون ...كلمات .. فاقت بجمالها .... كل جمال ...
الاسم: الكاتبة الصغيرة _ وفاء وائل
